ابن الجوزي
337
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
سلما ، فإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم ، فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فإنه عاق قاطع ، فإن مضيت لأمرنا جزيناك خيرا ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنا قد أمرناه ، والسلام . فلما جاء شمر بالكتاب إلى عمرو وقرأه قال : ويلك ، لا قرب الله دارك ، قبح الله ما قدمت به عليّ ، والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه ، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح ، قال : فقال : أخبرني ما أنت صانع لأمر أميرك ؟ أتقاتل عدوّه ، وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر . فقال : لا ، ولا كرامة ، ولكن أنا أتولى ذلك . قال : فدونك . فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم ، وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال : أين بنو أختنا ؟ فخرج إليه العباس وعبد الله وجعفر بنو علي ، فقالوا : مالك وما تريد ؟ قال : أنتم يا بني أختي آمنون ، قالوا : لعنك الله ، ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا أمان له ؟ ! فنادى عمرو : يا خيل اركبي وأبشري . فركب في الناس ، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر ، وحسين جالس أمام بنيه مجتثيا بسيفه / إذ خفق برأسه على ركبتيه ، فسمعت أخته الضجة ، فقالت : يا أخي ، أما 139 / أتسمع الأصوات قد اقتربت ؟ فرفع رأسه فقال : إني رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام فقال لي : « إنك تروح إلينا » فلطمت أخته وجهها وقال له العباس : يا أخي ، أتاك القوم . فنهض وقال : يا عباس ، اركب [ بنفسك ] أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم . فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا ، فقال : ما تريدون ؟ فقالوا : جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم . قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم . فوقفوا ، فرجع إلى الحسين فأخبره الخبر ، ثم رجع إليهم فقال : يا هؤلاء ، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ننظر في هذا الأمر ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله ، وإنما أراد أن يوصي أهله ، فقال عمرو للناس : ما ترون ؟ فقال له عمرو بن الحجاج : سبحان الله ، والله لو كان من الديلم ، ثم سألك هذا لكان ينبغي أن تجيبه ، فجمع الحسين أصحابه وقال : إني قد أذنت لكم فانطلقوا في هذه الليلة ، فاتخذوه جملا ، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يطلبوني ، ولو قد